السيد محمدمهدي بحر العلوم
517
مصابيح الأحكام
فكان بعضها أعظم من بعض ، مع أنّه عليه السلام في مقام الردع والزجر ويناسبهما التعظيم والتهويل . وقد يتّفق مثله في مقام التنزيه فضلًا عن التحريم ، ولو كانت المعصية الحاصلة منه كبيرة لكان المفهوم من الحديث هو الإصرار على الكبيرة ، فإنّه عليه السلام قال : « لأنّك كنت مقيماً على أمرٍ عظيم » ، ومقتضاه ثبوت العِظَم في أصل الفعل ، وتعليل الغُسل بالإصرار عليه ، ولا قائل باختصاص الغسل بالإصرار على الكبيرة . ومع ذلك ففي الحديث شواهد على العموم ، كقوله عليه السلام : « أما سمعت اللَّه يقول : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا » « 1 » » ، وقوله : « واسأله التوبة من كلّ ما يكره » ، وقوله : « فإنّه لا يكره إلّا القبيح ، والقبيح دعه لأهله » . وليس الغرض من ذلك عدم تبعيض التوبة ، كما ذهب إليه بعض المتكلّمين « 2 » ، فإنّ الحقّ أنّها تتبعّض كما حُقِّق في محلّه ، بل الغرض الأمر بالتوبة من كلّ ذنب ، سواءٌ في ذلك استماع الغناء وغيره ، والكبائر من الذنوب وصغائرها ، فيثبت الغسل في الجميع كما يقتضيه التعليل والتذييل . وأمّا ما قيل من أنّ الصغائر مكفّرة بترك الكبائر « 3 » ، استناداً إلى ظاهر قوله تعالى : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » « 4 » ، فليس على ما ينبغي ؛ فإنّ التوبة عن الذنوب كلّها واجبة ، كبيرةً كانت أو صغيرةً ، والصغيرة بترك التوبة تصير كبيرة إلّا مع الغفلة أو النسيان ، فتكفّر بترك الكبائر ، وعليه تحمل الآية .
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 36 . ( 2 ) . نسبه الشيخ المفيد في أوائل المقالات : 86 ، إلى أبي هاشم الجبائي . ( 3 ) . قاله الفاضل المقداد في كنز العرفان 2 : 372 ، والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 14 : 166 ، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 12 : 319 ، وغيرهم . ( 4 ) . النساء ( 4 ) : 31 .